أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
196
العقد الفريد
سمعت تغريد الطير بالأسحار ، في فروع الأشجار ، وسمعت خفق أوتار العيدان ، وترجيع أصوات القيان ، فما طربت من صوت قط ، طربي من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن ، ومن شكر حرّ المنعم حرّ ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر . قال إبراهيم : فقلت له : للّه أبوك ! لقد حشيت كرما . لجعفر بن محمد : إسماعيل بن مسرور عن جعفر بن محمد « 1 » قال : إن اللّه خلق خلقا من رحمته برحمته لرحمته ، وهم الذين يقضون الحوائج للناس ، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن . الجود مع الإقلال قال اللّه تبارك وتعالى فيما حكاه عن الأنصار : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل العطية ما كان من معسر إلى معسر » . وقال عليه الصلاة والسلام : « أفضل العطية جهد المقلّ » . وقالت الحكماء : القليل من القليل أحمد من الكثير إلى الكثير . أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في أبيات كتب بها إلى الحسن بن وهب الكاتب وأهدى إليه قلما : قد بعثنا إليك أكرمك اللّه ب * شيء فكن له ذا قبول لا تقسه إلى ندى كفّك الغم * ر ولا نيلك الكثير الجزيل « 3 » واستجز قلّة الهديّة منّي * إنّ جهد المقلّ غير قليل
--> ( 1 ) أي جعفر الصادق عليه السلام . ( 2 ) سورة الحشر الآية 9 . ( 3 ) الندى : الكرم ، والغمر : الوفير .